بطلان العقد و انعدامه ماهو الفارق الذي يحسم النتيجة أمام المحكمة ؟

 
 
 
بقلم الأستاذة / سماح جاد
 
في ساحات القضاء، لا تُحسم القضايا دائمًا بقوة المستندات أو كثرتها، وإنما كثيرًا ما يُحسم النزاع بسبب التكييف القانوني الصحيح.
ومن أكثر الأخطاء العملية شيوعًا أمام المحاكم: الخلط بين بطلان العقد وانعدامه، وهو خلط لا يُعد خطأً نظريًا فحسب، بل قد يؤدي عمليًا إلى رفض الدعوى أو ضياع الحق نهائيًا.
 
فهل نحن أمام عقد باطل أم عقد منعدم؟
سؤال بسيط في ظاهره، لكنه قد يكون الفارق بين حكم لصالحك أو حكم يُغلق باب المطالبة إلى الأبد.
 
أولًا: ما هو العقد الباطل؟
 
 تعريف العقد الباطل
 
العقد الباطل هو عقد وُلد قانونًا لكنه وُلد مريضًا.
أي أن أركان العقد الأساسية قد توافرت:
• إيجاب
• قبول
• محل
• سبب
 
إلا أن أحد شروط الصحة شابه خلل جسيم يمنعه من إنتاج آثاره القانونية.
 
◾ أمثلة على العقد الباطل
• عقد بيع صادر من ناقص الأهلية دون إذن قانوني.
• عقد مخالف للنظام العام أو الآداب.
• عقد تم إبرامه تحت إكراه أو تدليس.
 
 الأثر القانوني
 
العقد الباطل:
• موجود من حيث الأصل
• لكنه غير صالح للنفاذ
• وقد تُنتج عنه آثار مؤقتة
• ويمكن تصحيحه في بعض الحالات بالإجازة
 
ثانيًا: ما هو العقد المنعدم؟
 
 تعريف العقد المنعدم
 
العقد المنعدم هو عقد لم يولد أصلًا.
فنحن هنا لا نتحدث عن عقد فاسد، بل عن محرر يفتقد ركنًا من أركان العقد الأساسية، بحيث لا يمكن القول بوجود عقد من الناحية القانونية.
 
 أمثلة من الواقع العملي
• عقد منسوب لشخص متوفى وقت تحريره.
• عقد بلا توقيع أو بصمة.
• عقد صادر من شخص لا صفة له مطلقًا.
• تصرف وارد على مال غير موجود أو مستحيل الوجود.
 
 النتيجة القانونية
 
الحديث هنا لا يدور عن عقد قابل للإبطال،
بل عن ورقة بلا قيمة قانونية لا تنتج أي أثر.
 
 
 
ثالثًا: الفارق الجوهري بين بطلان العقد وانعدامه أمام المحكمة
 
 من حيث التمسك به
 
البطلان:
• لا تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها دائمًا.
• يجب التمسك به من صاحب المصلحة.
 
الانعدام:
• يجوز التمسك به في أي وقت.
• تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها ولو لم يُطلب صراحة.
 
 
 
من حيث التقادم
 
دعوى البطلان:
• تخضع في الغالب للتقادم.
 
الانعدام:
• لا يلحقه أي تقادم.
• لأن ما لم يوجد قانونًا لا يُصححه مرور الزمن.
 
 وهذه نقطة فاصلة ضاعت بسببها حقوق كثيرة بعد فوات مواعيد التقادم.
 
 
 
 من حيث الأثر القانوني
• العقد الباطل:
• قد ينتج آثارًا مؤقتة.
• وقد يُصحح بالإجازة في حالات معينة.
• العقد المنعدم:
• لا ينتج أي أثر قانوني.
• لا تصححه إجازة.
• لا ينقلب صحيحًا بأي حال من الأحوال.
 
 
 
رابعًا: أخطر خطأ عملي يقع فيه الخصوم
 
أخطر ما يقع فيه المتقاضون هو:
 
رفع دعوى بطلان عقد
بينما العقد في حقيقته منعدم.
 
 النتيجة؟
• المحكمة تبحث في شروط صحة عقد
• بينما العقد فاقد الوجود أصلًا
• فتُرفض الدعوى أو تضيع الجهود
التكييف القانوني الخاطئ قد يهدم أقوى حق.
 
 
 
موقف محكمة النقض من التفرقة بين البطلان والانعدام
 
استقر قضاء محكمة النقض على أن:
 
“الانعدام وصف يلحق بالتصرف إذا تخلف ركن من أركانه، فلا ينتج أثرًا ولا تسري عليه أحكام البطلان.”
 
وهو ما يؤكد أن:
• الانعدام أسبق من البطلان
• وأخطر منه
• وأقوى في الهدم القانوني
 
 
 
 الخلاصة العملية
• ليس كل عقد باطل منعدم.
• لكن كل عقد منعدم لا يمكن اعتباره عقدًا.
• البطلان قد يُصحح أحيانًا.
• أما الانعدام فلا يُصحح أبدًا.
 
 كلمة أخيرة
 
في قاعة المحكمة،
لا تُكسب القضايا بالعاطفة،
ولا بالمستند وحده،
بل بالتكييف القانوني السليم.
 
فالفرق بين البطلان والانعدام
قد يكون الفرق بين حكم لصالحك
وحكم يضيع فيه حقك إلى الأبد
 
بطلان العقد – انعدام العقد – الفرق بين البطلان والانعدام – التكييف القانوني – دعوى بطلان عقد – العقد المنعدم – أحكام محكمة النقض – التقادم في الدعاوى – بطلان التصرفات القانونية