تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 باعتباره قانونًا أصلح للمتهم في جرائم القتل العمد وأثره في تخفيف العقوبة…

  بقلم الأستاذ/ ماهرحشمت المحامي بالنقض

يُعد مبدأ “القانون الأصلح للمتهم” أحد المبادئ الراسخة في التشريع الجنائي الحديث، باعتباره ضمانة أساسية لتحقيق العدالة الجنائية وتكريسًا لفكرة إنسانية العقوبة، وقد كرس المشرع المصري هذا المبدأ في المادة الخامسة من قانون العقوبات التي تقضي بأنه إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الفصل فيه بحكم بات قانون أصلح للمتهم فهو الذي يتبع دون غيره.

ومع صدور قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، ثار جدل قانوني وفقهي واسع حول مدى اعتبار الأحكام المستحدثة الخاصة بالصلح في جرائم القتل العمد من قبيل القواعد الأصلح للمتهم، ومدى إمكانية تطبيقها على الوقائع السابقة على نفاذ القانون، وخاصة الأحكام الصادرة بالإعدام أو السجن المؤبد.

أولًا: ماهية القانون الأصلح للمتهم:-

يقصد بالقانون الأصلح للمتهم كل تشريع جديد يؤدي إلى تحسين المركز القانوني للمتهم مقارنة بالقانون السابق، سواء بإلغاء التجريم، أو تخفيف العقوبة، أو استحداث سبب للإعفاء أو التخفيف، أو تقرير نظام قانوني يؤدي إلى معاملة جنائية أقل شدة.

وقد استقر الفقه والقضاء على أن العبرة ليست بالوصف الشكلي للنص وإنما بأثره الحقيقي على مركز المتهم، فإذا ترتب على النص الجديد تخفيف العقوبة أو إتاحة فرصة قانونية لتجنب العقوبة الأشد، اعتبر قانونًا أصلح واجب التطبيق بأثر رجعي.

ثانيًا: المستحدث في قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025:-

استحدث القانون الجديد نظامًا قانونيًا غير مسبوق في جرائم القتل العمد، يتمثل في الاعتداد بالصلح المبرم بين الجاني وأولياء دم المجني عليه، وترتيب آثار قانونية مباشرة على هذا الصلح تؤدي إلى تخفيف العقوبة المقررة.

وبموجب هذا التنظيم التشريعي الجديد أصبح الصلح سببًا قانونيًا يترتب عليه نزول العقوبة من الإعدام إلى عقوبة سالبة للحرية، مع إعمال أحكام الرأفة المنصوص عليها بالمادة 17 من قانون العقوبات.

ويمثل ذلك تحولًا جوهريًا في السياسة العقابية المصرية فيما يتعلق بجرائم الاعتداء على النفس، حيث انتقل المشرع من نظام يقوم على العقوبة الأصلية المجردة إلى نظام يسمح بأخذ إرادة أولياء الدم في الاعتبار عند تحديد الجزاء الجنائي.

ثالثًا: اعتبار النص الجديد قانونًا أصلح للمتهم:-

لا خلاف فقهيًا في أن كل نص يؤدي إلى استبعاد عقوبة الإعدام أو استبدالها بعقوبة أخف يُعد قانونًا أصلح للمتهم.

فإذا كان المتهم وفق القانون القديم معرضًا لعقوبة الإعدام أو السجن المؤبد، ثم صدر قانون يجيز – عند تحقق الصلح – النزول بالعقوبة إلى السجن المشدد أو السجن أو الحبس وفق الضوابط القانونية، فإن هذا التشريع يحقق مركزًا قانونيًا أفضل للمتهم بصورة واضحة.

ومن ثم فإن أحكام الصلح المستحدثة لا تعد مجرد قواعد إجرائية بحتة، وإنما تتجاوز ذلك إلى التأثير المباشر في العقوبة ذاتها، وهو ما يضفي عليها طبيعة موضوعية تجعلها خاضعة لقاعدة التطبيق الفوري للقانون الأصلح للمتهم.

رابعًا: الأساس الدستوري لتطبيق القانون الأصلح:-

يستند تطبيق القانون الأصلح للمتهم إلى عدة مرتكزات دستورية وقانونية أهمها:

1. المادة الخامسة من قانون العقوبات.
2. المادة ٢٢ من قانون الاجراءات الجنائية الجديد
3. مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.
4. مبدأ العدالة الجنائية.
5. مبدأ المساواة بين المتهمين أمام القانون.
6. الحق في الحياة باعتباره من الحقوق الدستورية الأساسية.

ومن ثم فإن الامتناع عن تطبيق النص الأخف على من لم يصبح حكمه باتًا يهدر الغاية التي استهدفها المشرع من سن القانون الجديد.

خامسًا: أثر القانون الجديد على الأحكام الصادرة في جرائم القتل العمد:-

يثور التساؤل حول مدى استفادة المحكوم عليهم بالإعدام أو المؤبد من النصوص المستحدثة.

لئن كان الدستور لا يتضمن بين أحكامه مبدأ رجعية القوانين الأصلح للمتهم، إلا أن القاعدة التي يرتكز عليها هذا المبدأ تفرضها المادة (54) من الدستور، التي تقرر أن الحرية الشخصية حق طبيعي، وأنها مصونة لا تمس، ذلك أن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وما اتصل به من عدم جواز تقرير رجعية النصوص العقابية، غايته حماية الحرية الفردية وصونها من العدوان عليها، وذلك في إطار من الموازنة بين موجباتها من ناحية، وما يعتبر لازمًا لحماية مصلحة الجماعة والتحوط لنظامها العام من ناحية أخرى. وفى إطار هذه الموازنة وعلى ضوئها، تكون رجعية القوانين الأصلح للمتهم ضرورة حتمية يقتضيها صون الحرية الفردية بما يرد عنها كل قيد غدا تقريره مفتقرًا إلى أية مصلحة اجتماعية.
وحيث إن من المقرر أن القوانين الجنائية وإن كان سريانها على وقائع اكتمل تكوينها قبل نفاذها، غير جائز أصلًا، إلا أن إطلاق هذه القاعدة يفقدها معناها، ذلك أن الحرية الشخصية وإن كان يهددها القانون الجنائي الأسوأ، غير أن هذا القانون يرعاها ويحميها إذا كان أكثر رفقًا بالمتهم، سواء من خلال إنهاء تجريم أفعال أثمها قانون جنائي سابق، أو عن طريق تعديل تكييفها أو بنيان بعض العناصر التي تقوم عليها، بما يمحو عقوباتها كلية أو يجعلها أقل بأسًا، وذلك إعمالاً لقاعدة القانون الأصلح للمتهم، تلك القاعدة التي وإن اتخذت من نص المادة (5) من قانون العقوبات موطئًا وسندًا، إلا أن صون الحرية الشخصية التي كفلها الدستور الصادر عام 1971 بنص المادة (41) منه – تقابل المادة (54) من الدستور الحالي – يقيم هذه القاعدة ويُرسيها بما يحول بين المشرع وتعديلها أو العدول عنها، ذلك أن ما يعتبر قانونًا أصلح للمتهم، وإن كان لا يندرج تحت القوانين التفسيرية التي تندمج أحكامها في القانون المفسر، وترتد إلى تاريخ نفاذه باعتبارها جزءًا منه يبلور إرادة المشرع التي قصد إليها ابتداء عند إقراره لهذا القانون، إلا أن كل قانون جديد يمحو التجريم عن الأفعال التي أثمها القانون القديم، أو يُعدل تكييفها أو بنيان العناصر التي تقوم عليها، أو يُعدل عقوباتها بما يجعلها أقل بأسًا، إنما يُنشئ للمتهم مركزًا قانونيًّا جديدًا، ويُقوض مركزًا سابقًا؛ ومن ثم يحل القانون الجديد – وقد صار أكثر رفقًا بالمتهم، وأعون على صون الحرية الشخصية التي اعتبرها الدستور حقًّا طبيعيًّا لا يُمس – محل القانون القديم فلا يتزاحمان أو يتداخلان، بل يُنحي ألحقهما أسبقهما.

ومن خلال الطرح السابق فأن الاستفادة تكون متاحة متى توافرت الشروط الآتية:

* أن يكون الصلح قد تم مع أصحاب الصفة القانونية من ورثة المجني عليه.
* ألا يكون الحكم قد استنفد كامل آثاره القانونية بصورة تحول دون إعادة النظر فيه وفق الوسائل المقررة قانونًا.
* أن يكون النص الجديد أصلح للمتهم من النص السابق.

وفي هذه الحالة يصبح من المتعين على جهات التحقيق والمحاكم المختصة ومحكمة النقض مراعاة الأثر القانوني للنص الجديد باعتباره تشريعًا أخف.

خاتمة:-

يمثل قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 تحولًا مهمًا في السياسة الجنائية المصرية، لاسيما فيما يتعلق بجرائم القتل العمد، وإذا كان المشرع قد استحدث نظام الصلح ورتب عليه تخفيف العقوبة، فإن هذا التنظيم يقترب في طبيعته من القوانين الموضوعية الأصلح للمتهم، بما يفتح الباب أمام تطبيقه على الوقائع السابقة متى توافرت شروطه القانونية.

  للحصول على استشارة قانونية مع الاستاذ ماهر حشمت المحامي بالنقض اضغط هنا