عقود المطور العقاري.. هل هي عقود "إذعان" أم "شريعة المتعاقدين"؟

بقام الأستاذ / محمود مرعي هلال المحامي بالاستئناف العالي و مجلس الدولة 

لا شك في أن السوق العقارية المصرية شهدت إقبالاً واسعاً على شراء الوحدات تحت الإنشاء (Off-plan)، إلا أن هذا الإقبال تصاحبه أزمات قانونية متصاعدة بين المشترين وشركات التطوير العقاري. تكمن الأزمة الأساسية في صياغة العقود التي تصفها الدراسات القانونية بأنها "عقود إذعان"؛ حيث يُصاغ العقد بطريقة تضمن حقوق المطور بالكامل مقابل فرض التزامات صارمة وغرامات باهظة على العميل.

وفيما يلي تحليل قانوني لأبرز المشكلات والثغرات في عقود التطوير العقاري في مصر، والتي شهدها الواقع العملي وتتمثل في:

1)    اختلال التوازن في شروط الفسخ والتعويض

2)   تفعيل "الشرط الفاسخ الصريح" بشكل تعسفي

3)   التلاعب بنسب التحميل والمواصفات العقارية.

4)   عدم التزام المطور بتراخيص هيئة المجتمعات العمرانية.

5)   غرامات التنازل وإعادة البيع (Over).

وتُعد مسألة التوصيف القانوني لعقود التطوير العقاري في مصر من أدق المعضلات الفقهية والقضائية، حيث يدور نزاع دائم حول تصنيفها كـ "عقود إذعان" يخضع فيها المشترك لشروط أملتها الجهة الأقوى، أم أنها عقود مدنية تخضع لمبدأ "العقد شريعة المتعاقدين.

ويتناول هذا التحليل القانوني المتخصص مدى انطباق وصف "الإذعان" على هذه العقود، والآثار المترتبة على ذلك أمام القضاء المصري.

 

 

أولاً: المفهوم القانوني لعقد الإذعان في القانون المدني:

وفقاً لنصوص القانون المدني المصري، يتحقق وصف "الإذعان" عندما يتوافر في العقد الشروط التالية:

1.   أن يتعلق التعاقد بسلع أو خدمات أساسية لا غنى عنها للجمهور وتتمتع بطابع الاحتكار (فعلياً أو قانونياً).

2.   أن يتم صياغة شروط العقد من قِبل طرف واحد مسبقاً (المطور)، بحيث لا يملك الطرف الآخر (المشتري) حق مناقشتها أو تعديلها، بل يقتصر دوره على القبول أو الرفض الكلي.

ثانياً: لماذا تُصنف عقود المطورين كـ "عقود إذعان؟

تميل العقود التي تصيغها شركات التطوير العقاري اليوم إلى اتخاذ صبغة "الإذعان" بسبب عدة مظاهر قانونية صارخة، تكرست عبر الممارسات السائدة في السوق:

1)   غياب التفاوض (عقود مطبوعة نمطية): تقدم الشركات نماذج موحدة وجاهزة للتوقيع مسبقاً. وترفض الغالبية العظمى من الشركات إجراء أي تعديل على بنود العقد لصالح العميل بناءً على رغبته، تحت ذريعة "توحيد السياسة القانونية للشركة".

2)   السكن كحاجة أساسية: لم يعد العقار مجرد سلعة ترفيهية، بل هو حاجة إنسانية واقتصادية ملحة للعديد من الأسر.

3)   الاختلال الصارخ في الالتزامات:تصل غرامة الفسخ على العميل إلى 30% من قيمة الوحدة عند التعثر، بينما يحمي المطور نفسه ببند "الظروف القهرية والتضخم" لتبرير تأخره في التسليم لسنوات دون منح العميل تعويضاً مكافئاً.

ثالثاً: الموقف القضائي (أحكام محكمة النقض المصرية)

تتبنى محكمة النقض المصرية توجهاً دقيقاً يفرّق بين الصيغة المكتوبة وبين الواقع الاقتصادي للتعاقد:

الأصل العام (عقود تفاوضية): تميل المحكمة في كثير من أحكامها إلى أن العقارات ليست احتكارية بالمعنى الحرفي لوجود شركات متعددة وبدائل متنوعة في السوق، وبالتالي تعتبرها عقوداً مدنية تخضع للاتفاق الإرادي الحُر.

الاستثناء القضائي والواقعي: إذا ثبت للقاضي أن المطور قد استغل موقعه المهني والاقتصادي وفرض شروطاً يستحيل على المشتري تفاديها أو تعديلها، وأنه لا يوجد بديل حقيقي أمامه إلا قبول هذا النموذج، فإن المحكمة تبسط رقابتها على هذه العقود وتُطبق عليها أحكام الإذعان لحماية الطرف الضعيف.

رابعاً: الحلول القانونية:

إذا كيَّف القاضي العقد بأنه " عقد إزعان "فإن القانون يمنح المشتري حمايتين كإستثناء من الأصل العام:

أولهما: تعديل الشروط التعسفية.

ثانيهما: تفسير الغموض.

ويظل إثبات أن العقد من العقود الإزعان من عدمه هي الإشكالية القانونية الكبري التي يواجهها المشتري، لذلك يجب علي المشتري عدم التوقيع علي عقد عقاري مطبوع دون مراجعته بواسطة مستشار قانوني متخصص، للوقوف علي البنود التعسفية التي تحتاج إلي تعديل لتحقيق التوزان بين الطرفين.

 للتواصل مع الأستاذ محمود مرعي هلال المحامي اضغط هنا