⚖️ قرار رئيس هيئة الدواء رقم 600 لسنة 2023 بين التطبيق والإلغاء – ماذا تغير في قضايا المخدرات؟
بقلم: الأستاذ عبدالوهاب فرج – المحامي
من أهم المستجدات القانونية التي تستحق الوقوف أمامها في قضايا المخدرات، الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا بجلسة 16 فبراير 2026 بشأن قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، وما ترتب عليه من سقوط القرارات السابقة واللاحقة الصادرة من رئيس هيئة الدواء بشأن تعديل جداول المواد المخدرة.
أولًا: ماذا كان الوضع قبل صدور القرار 600 لسنة 2023؟
كانت جداول المواد المخدرة الملحقة بالقانون رقم 182 لسنة 1960 بشأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها تخضع لتعديلات تصدر وفق السلطة المخولة قانونًا لوزير الصحة والسكان بموجب المادة 32 من القانون.
وكان تحديد الجدول الذي تندرج تحته المادة المخدرة أمرًا بالغ الأهمية؛ لأنه يترتب عليه تحديد النص العقابي الواجب التطبيق، وبالتالي تحديد نطاق العقوبة المقررة على الحيازة أو الإحراز أو الاتجار بحسب الأحوال.
ثانيًا: ماذا فعل القرار 600 لسنة 2023؟
صدر قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023 باستبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، ونُشر في الوقائع المصرية بتاريخ 10 سبتمبر 2023، وبدأ العمل به اعتبارًا من 11 سبتمبر 2023. (ميديا مصر)
وكان من أبرز ما ترتب على القرار إعادة تصنيف بعض المواد المخدرة داخل الجداول، ومن ذلك الميثامفيتامين، حيث نُقل من القسم الثاني إلى القسم الأول (ب) من الجدول رقم (1)، وهو ما كان يترتب عليه اختلاف وتشديد في العقوبة بحسب القصد وظروف الإحراز. (اليوم السابع)
ثالثًا: أين كانت المشكلة القانونية؟
المشكلة لم تكن في كون المواد المخدرة محظورة من عدمه، وإنما في الجهة التي تملك قانونًا سلطة تعديل الجداول.
فالمادة 32 من القانون رقم 182 لسنة 1960 أسندت سلطة تعديل الجداول إلى الوزير المختص.
بينما صدر القرار رقم 600 لسنة 2023 من رئيس هيئة الدواء المصرية.
وهنا ثار التساؤل الدستوري:
هل قانون إنشاء هيئة الدواء المصرية رقم 151 لسنة 2019 منح رئيس الهيئة تفويضًا صريحًا يسمح له بتعديل جداول قانون مكافحة المخدرات، خاصة وأن هذا التعديل قد يترتب عليه اختلاف في العقوبة الجنائية؟
وقد انتهت محكمة النقض، في الطعن الذي أثيرت فيه المسألة، إلى إحالة الأمر للمحكمة الدستورية العليا، لما تراءى لها من شبهة تتعلق بمبدأ الشرعية الجنائية وحدود التفويض التشريعي. (اليوم السابع)
رابعًا: ماذا قالت المحكمة الدستورية العليا؟
في 16 فبراير 2026 قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023 بشأن استبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات.
كما قضت بسقوط القرارات السابقة واللاحقة الصادرة من رئيس هيئة الدواء بشأن تعديل تلك الجداول، لقيامها على ذات العيب الدستوري. (مصراوي.كوم)
وأسست المحكمة قضاءها على أن اختصاص تعديل الجداول كان مفوضًا فيه إلى وزير الصحة والسكان بموجب المادة 32 من قانون مكافحة المخدرات، وأن قانون إنشاء هيئة الدواء المصرية لم يتضمن تفويضًا صريحًا لرئيس الهيئة في تعديل جداول المخدرات.
وأكدت المحكمة أن الأمر يتعلق بمبادئ دستورية مهمة، من بينها سيادة القانون، وشرعية الجرائم والعقوبات، والفصل بين السلطات. (المصري اليوم)
خامسًا: ما الفرق العملي قبل وبعد الحكم؟
المسألة قبل الحكم الدستوري بعد الحكم الدستوري قرار 600 لسنة 2023 كان معمولًا به باعتباره أداة استبدال للجداول قُضي بعدم دستوريته قرارات رئيس هيئة الدواء السابقة واللاحقة كانت محل تطبيق بحسب تواريخها قضت المحكمة بسقوطها جداول المخدرات تُطبق وفق التعديلات الصادرة بالأداة المعمول بها آنذاك يعود العمل بالجداول التي كانت نافذة قبل قرارات رئيس هيئة الدواء الساقطة تجريم المخدرات قائم لم يُلغَ تجريم المخدرات العقوبات الواردة في قانون 182 لسنة 1960 تطبق وفق الجدول القانوني الواجب التطبيق يحدد الجدول الصحيح الواجب التطبيق وفق الحكم القضايا التي وقعت خلال فترة تطبيق القرار 600 كانت تنظر وفق الجداول المستبدلة بالقرار يجب بحث الجدول الصحيح الذي ينطبق على الواقعة في ضوء الحكم الدستوري
سادسًا: نقطة مهمة جدًا للمحامين
الحكم الدستوري لا يعني أن حيازة أو إحراز المخدر أصبح مباحًا، ولا يعني سقوط قانون مكافحة المخدرات.
المسألة تتعلق أساسًا بأداة تعديل الجداول والجهة التي تملك إصدارها.
وقد أوضحت المحكمة أن القضاء بعدم دستورية القرار وسقوط القرارات المرتبطة به يؤدي إلى اعتبارها كأن لم تكن منذ صدورها، مع استمرار نفاذ الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات وتعديلاتها الصادرة بأداة قانونية صحيحة. (الشروق نيوز)
سابعًا: الأثر على القضايا الجنائية
وهنا تظهر الأهمية العملية للحكم بالنسبة للمحامين والمتقاضين.
ففي القضايا التي وقعت خلال الفترة التي عُمل فيها بقرار 600 لسنة 2023 أو القرارات اللاحقة المرتبطة به، يجب بحث:
1️⃣ تاريخ الواقعة. 2️⃣ نوع المادة المضبوطة. 3️⃣ الجدول الذي كانت المادة مدرجة به قبل القرار 600. 4️⃣ الجدول الذي أُدرجت فيه بموجب القرار 600. 5️⃣ النص العقابي الذي بُني عليه الاتهام والحكم. 6️⃣ مدى تأثير اختلاف الجدول على العقوبة المقررة. 7️⃣ موقف الحكم الصادر في الدعوى ومدى نهائيته وطرق الطعن المتاحة قانونًا.
وبالتالي فإن كل قضية تحتاج إلى فحص مستقل، ولا يصح القول بصورة مطلقة إن الحكم الدستوري يؤدي تلقائيًا إلى البراءة في جميع القضايا.
الخلاصة
حكم المحكمة الدستورية العليا في شأن القرار رقم 600 لسنة 2023 يمثل تطورًا مهمًا في قضايا المخدرات؛ لأنه حسم مسألة دستورية تتعلق بحدود سلطة رئيس هيئة الدواء في تعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات.
والأهمية الحقيقية للحكم ليست في إلغاء تجريم المواد المخدرة، وإنما في تحديد الأداة والجهة المختصة قانونًا بتعديل الجداول التي يترتب عليها تحديد نطاق التجريم والعقوبة.
ومن ثم أصبح من الضروري في القضايا التي تأثرت بقرار 600 لسنة 2023 دراسة تاريخ الواقعة والجدول الواجب التطبيق والنص العقابي المطبق على المتهم، وصولًا إلى الأثر القانوني الصحيح للحكم الدستوري على كل دعوى على حدة.
⚖️ وفي النهاية: الحكم الدستوري لا يُقرأ بمعزل عن وقائع الدعوى، وإنما يجب إسقاط مبادئه على كل قضية وفق تاريخ الواقعة والجدول والنص العقابي المنطبق عليها.